مكاسب الأغنياء على حساب الفقراء

الأغنياء على اكتاف الفقراء
الأغنياء على اكتاف الفقراء
 

بقلم د. مصطفى بدوى
دكتور الفلسفة في الإدارة المالية

كيف يزداد الأغنياء ثراءً بينما يزداد الفقراء فقراً

 هذه قضية معقدة وشائكة، وتُعد محوراً أساسياً في النقاشات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية حول العالم. عبارة "مكاسب الأغنياء على حساب الفقراء" ليست مجرد شعار عاطفي، بل هي توصيف لآليات اقتصادية وهيكلية عميقة تؤدي إلى توسيع فجوة الثروة.
عندما نتحدث عن كيف يزداد الأغنياء ثراءً بينما يزداد الفقراء فقراً (أو يراوحون مكانهم)، فإننا لا نتحدث بالضرورة عن سرقة مباشرة، بل نتحدث عن نظام مصمم بطريقة تجعل تدفق الثروة يتجه نحو الأعلى، وغالباً ما يكون ذلك على حساب الفئات الأضعف اقتصادياً.

فيما يلي تحليل مفصل للآليات الرئيسية التي تحقق هذه المعادلة غير العادلة:

1. الفجوة بين الأجور والإنتاجية (ركود الدخل مقابل تعاظم الأرباح)
هذه هي الآلية الأكثر وضوحاً. على مدى العقود الماضية، زادت إنتاجية العمال بشكل كبير بفضل التكنولوجيا والتعليم، لكن أجورهم الحقيقية (بعد حساب التضخم) لم ترتفع بنفس النسبة، بل ظلت راكدة في كثير من الأحيان.
 * كيف يحدث ذلك؟ الشركات تحقق أرباحاً طائلة نتيجة زيادة الإنتاجية. بدلاً من توزيع هذه الأرباح بشكل عادل على العمال الذين أنتجوها، تذهب الحصة الأكبر إلى أصحاب رأس المال (المساهمين، المديرين التنفيذيين) في شكل أرباح أسهم ومكافآت ضخمة.
 * النتيجة على الفقراء: يعملون بجد أكبر وينتجون أكثر، لكن قدرتهم الشرائية تتآكل، بينما تتراكم الثروة لدى أصحاب العمل.
2. النظام المالي وتضخم الأصول
الأغنياء لا يكدسون أموالهم نقداً، بل يستثمرونها في "أصول" (عقارات، أسهم، سندات، ذهب). النظام المالي الحديث يميل إلى دعم ارتفاع قيمة هذه الأصول.
 * كيف يحدث ذلك؟ عندما تضخ البنوك المركزية الأموال في الاقتصاد (مثل سياسات التيسير الكمي)، فإن هذه الأموال غالباً ما تجد طريقها إلى أسواق الأسهم والعقارات، مما يرفع أسعارها بشكل جنوني.
 * النتيجة على الفقراء: الفقراء لا يملكون أصولاً، بل يملكون دخلاً نقدياً محدوداً. ارتفاع أسعار الأصول يعني أن شراء منزل يصبح حلماً مستحيلاً، وإيجارات المساكن ترتفع، بينما تزداد ثروة من يمتلكون تلك العقارات والأسهم دون جهد إنتاجي حقيقي.
3. الأنظمة الضريبية المنحازة والملاذات الضريبية
واحدة من أكبر الطرق التي يراكم بها الأغنياء الثروة على حساب المجتمع هي عبر تجنب المساهمة العادلة في الضرائب.
 * ضرائب الدخل مقابل ضرائب رأس المال: في العديد من الدول، يتم فرض ضرائب أعلى على الدخل الناتج عن العمل (الرواتب) مقارنة بالدخل الناتج عن رأس المال (أرباح بيع الأسهم أو العقارات). العامل يدفع نسبة أعلى من المستثمر الملياردير.
 * الثغرات والملاذات الضريبية: الأثرياء والشركات الكبرى لديهم جيوش من المحاسبين والمحامين الذين يستغلون الثغرات القانونية أو ينقلون الأرباح إلى "ملاذات ضريبية" (دول ذات ضرائب شبه معدومة) لتجنب الدفع.
 * النتيجة على الفقراء: عندما لا يدفع الأغنياء حصتهم، تعاني ميزانية الدولة. يتم تعويض النقص إما بفرض ضرائب استهلاكية (مثل ضريبة القيمة المضافة) التي تضر الفقراء أكثر لأنها تأخذ نسبة أكبر من دخلهم المحدود، أو بتقليص الخدمات العامة (صحة، تعليم) التي يعتمد عليها الفقراء.
4. النفوذ السياسي وجماعات الضغط (Lobbying)
الثروة تشتري النفوذ السياسي. الأغنياء والشركات الكبرى ينفقون مبالغ طائلة لتمويل الحملات الانتخابية وممارسة الضغط على صناع القرار.
 * كيف يحدث ذلك؟ يتم سن قوانين تفصيلية تخدم مصالح فئات معينة: تخفيف القيود البيئية لصالح المصانع الملوثة، سن قوانين عمل تضعف النقابات، أو تقديم إعانات حكومية لشركات ضخمة متعثرة (بينما يُترك المواطن العادي ليواجه مصيره).
 * النتيجة على الفقراء: يتم تصميم قواعد اللعبة الاقتصادية لصالح من يملك المال، وليس لصالح المصلحة العامة أو الفئات العاملة.
5. خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر
هذه ظاهرة تبرز بوضوح في الأزمات الاقتصادية.
 * كيف يحدث ذلك؟ عندما تحقق البنوك أو الشركات الكبرى أرباحاً خيالية نتيجة مضاربات خطرة، يحتفظ الأغنياء بتلك الأرباح. ولكن عندما تنهار هذه الشركات وتهدد الاقتصاد (كما حدث في 2008)، تتدخل الحكومات لإنقاذها بأموال دافعي الضرائب (بمن فيهم الفقراء) تحت ذريعة أنها "أكبر من أن تفشل".
 * النتيجة على الفقراء: يتحمل الفقراء والطبقة الوسطى تكلفة تهور الأغنياء، بينما ينجو الأغنياء بأرباحهم السابقة وغالباً ما يحصل مديروهم على مكافآت خروج ضخمة.
6. استغلال الضعف: "ضريبة الفقر" والديون
من المفارقات المؤلمة أن "كونك فقيراً مكلف جداً".
 * ضريبة الفقر: الفقراء غالباً ما يدفعون أكثر مقابل السلع والخدمات الأساسية. هم لا يستطيعون الشراء بالجملة لتوفير المال، وقد يضطرون للعيش في مناطق تفتقر لخدمات جيدة مما يضطرهم لإنفاق المزيد على النقل أو الصحة.
 * فخ الديون: بسبب انخفاض الأجور، يلجأ الفقراء للاستدانة لتغطية احتياجاتهم الأساسية. يقعون فريسة لشركات الإقراض الجائر التي تفرض فوائد فاحشة، مما يجعلهم يعملون فقط لسداد الفوائد، ويحول ثروتهم المحدودة إلى جيوب المقرضين الأثرياء.

خلاصة القول

إن مقولة "مكاسب الأغنياء على حساب الفقراء" لا تعني بالضرورة أن كل غني هو شخص سيء، ولكنها تشير إلى خلل هيكلي في النظام الاقتصادي العالمي.
هذا النظام يكافئ ملكية رأس المال أكثر من العمل، ويسمح للنفوذ المالي بتشكيل القرارات السياسية، ويخلق حلقة مفرغة حيث يولد المال مزيداً من المال للأغنياء، بينما يولد الفقر مزيداً من الأعباء على الفقراء. هذا الوضع يؤدي على المدى الطويل إلى عدم استقرار اجتماعي، تآكل الطبقة الوسطى، وضعف النمو الاقتصادي العام لأن غالبية السكان لا يملكون القدرة الشرائية لتحريك عجلة الاقتصاد.







تعليقات

إرسال تعليق

اترك تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أهمية تطوير منهجية الفحص الضريبي للتجارة الإلكترونية

كبسولة ضريبية رقم (2) التجارة الإلكترونية

كبسولات ضريبية